أبو الحسن العامري

428

رسائل أبو الحسن العامري

كالمساوية للشيء الواحد متساوية ؛ وإلى الموجودات التي لا يمتنع وجود أوائلها بنوع آخر ، وهي المعاني الممكنات كاكتساب المال الموهوم حصوله من صناعات مختلفة - ثم كان العمل واقعا في هذا القسم حسبما كان العلم واقعا في ذاك القسم ؛ وكان الكمال الإنسيّ متعلّقا بمجموعهما ؛ فكذا صارت السعادة التي هي الكمال المطلق أيضا منقسمة قسمين : أحدهما غاية النطق العملي وهو الكمال الإنسيّ وتسمى سعادة أدنى ؛ وحدّها فعل للنفس بفضيلة كاملة خلقية . والأخرى غاية النطق النظري وهو الكمال الروحاني ويسمى سعادة قصوى ؛ وحدّها فعل للنفس بفضيلة كاملة حكمية . وبالكمال الانسانيّ - وهو الأوّل - يسمّى الرجل متعقلا ظريفا ؛ وبالكمال الروحانيّ وهو الثاني يسمّى الرجل عاقلا حكيما . - على أن العمل لا يشرف الا بعلم ما . غير أن علمه قد يقع من جهة التسليم للآراء المحمودة أولا ، وبالتجارب والاختبارات ثانيا . على أن العلم التجربيّ لا يكاد يصفو الا بالعمل الصائب بل لا يصحّ له الحكم بما يباشره منه الا باكتساب الهيئة الفاضلة بالعادات الجميلة . وذاك أن من كان ذا رذيلة واحدة لم يصلح للاختيار المحمود أصلا لأنه يظن ، لأجلها ، أنّ ما ليس بأفضل هو الأفضل ؛ أو يؤثر النافع الجميل أو اللذيذ على الخير . فإذا كانت هذه حال ذي رذيلة واحدة فما ظنك بالذي امتلأ بالرذائل ! . على أن العلم المطلق أيضا ليس مما يصفو لأحد من غير عمل ؛ فانّ من لم يجرّد سعيه لطلب الحكمة ، ولم يستخلص همته « 18 » لها ؛ ولم يأخذ الخيرات النافعة التي يستعين بها على السلوك نحوها ؛ ولم يتوخّ أن تكون إصابته لها على سبيل الهوى والمفاخرة بل على سبيل الترقي نحو الفضيلة ؛ تقسّمت أوقاته كلّها ، وتشعبت حالاته أجمعها ؛ ولم يكمل البحث عن واحد من مقصوداته بل عاقه أحد الخيرات العرضيّة - كالمال أو الرئاسة أو اللذة أو الراحة - عن حاقّ « 19 » الخير المحض ، الذي هو أولى الأمور به ؛ أعني الإحاطة بأشرف المعلومات والثقة بما يتيقن به منها . - أحقّ اللذات بالطلب الألذّ منها وليس يعرفها إلا من ذاق جميعها ومن ذاق جميعها فقد ذاق لا محالة لذة الحكمة وليس يذوقها غير محب الحكمة . فإذا الفائز بهذه اللذة قد تطعّم جميع اللذات بفضل التجربة وأيقن أن لذات البدن مؤدية إلى الأحزان ؛ لا سيما عند الغلط بالافراط أو التفريط . ولذة الترؤس جالبة التحاسد وبغضة الأقران ؛ ولا سيما عند

--> ( 18 ) ص : همه له . ( 19 ) حاقّ الشيء : وسطه ، صادقه . الحاقّ : الكامل .